الرسالة

إنها رسالة مقدسة إنها رسالة الدفاع ، عندما تقف بجوار متهم بريء لم تثبت إدانته ، لتدافع عنه بعد أن هجره أهله ، وتنكر له أصدقاءه ، وتشمت به أعداؤه ، وانصبت عليه لعنة الناس أجمعين ، تقف بجانبه وسط صخب الإعلام ، حتى يحين اليوم المعود ، فتدخل قاعة المحكمة تترقبك الأنظار وسط همز ولمز ، فتبدأ المرافعة وكأنها معركة في ساحة القضاء ، تجلجل بصوت الحق حيث لا صوت إلا صوتك ، لتتفنن في المرافعة ، تشد العقول بالقول المقبول ، تلهب القلوب بحلاوة اللسان وسحر البيان ، تبهر السامعين والناظرين بكلمات تبث الأمان في قلب المتهم ، لا تغيب عنك فكرة ولا يتعثر لك لسان ، لا أنت بساحر ولا جان ، وإنما أنت إنسان أنت المحامي ، الذي لا يتخلى عن أي متهم مهما كان ، وكلما زاد صراخ الصارخين كلما كانت حاجة المتهم إليك اشد وأقوى …
يخطئ من يظن أن مؤهلات المحامي هي فقط الحصول على شهادة حقوق أو الدكتوراة في القانون ، كما يخطئ من يعتقد أن صناعة المحامي هي الثرثرة ، إذ أن المحامي المميز ، يعكف على دراسة كل العلوم والآداب طوال حياته ، حتى يستطيع الاضطلاع بمهمة الدفاع في القضايا المختلفة ، التي يوكل إليه أمرها ، من مدنية وتجارية وجنائية وسياسية وإدارية وعمالية وشرعية ، وإذا ما لم يكن المحامي مطلعًا على شتى العلوم والفنون ، ومختلف القوانين والقرارات وكتب الشراح وأحدث الأحكام ، فإنه يجد نفسه عاجزًا عن القيام بواجبه .
لذلك قال الفقيه الفرنسي جارسونيه في وصف حياة المحامي :
( إن المحامي يترافع في يوم واحد أمام محاكم متعددة في دعاوى مختلفة ، ومنزله ليس مكانًا لراحته ولا بعاصم له من مضايقة عملائه ، إذ يقصده كل من يريد أن يتخفف من أعباء مشاكله وهمومه ، ولا يكاد ينتهي من مرافعة طويلة إلا ليعالج مذكرات أطول ، فعمله معالجة مختلف المشاكل وتخفيف متاعب الآخرين ، وأستطيع القول إنه بين مواطنيه يمثل الرجال الأولين الذين قاموا بتبليغ الرسالة الإلهية )
المحاماة في نظر القاضي :
يقول المستشار محمد مختار عبد الله :
إن جميع أسباب الاحتكاك بين القضاء والمحاماة منشؤها في الغالب رول طويل مربك يبغي القاضي أن ينجزه من جهة ، ومن جهة أخرى رغبة حارة من جانب المحامي في إرضاء ضميره بعرض كل ما لديه من وقائع وأسانيد ولا يمكن التوفيق بين الطرفين إلا إذا قدر كل منهما وجهة نظر الآخر، وكان في أداء واجبه مخلصًا في مساعدة الطرف الآخر أيضًا على أداء واجبه، وقد يكون حماس المحامي باعثًا له على أن يبالغ في الاهتمام بمسائل يرى القاضي المثقل بالرول الطويل أن الوقت لا يتسع للإنصات إليها ، كما قد يبالغ القاضي في الرغبة في الإنجاز بحيث يحرج المحامي أمام ضميره وأمام موكليه، وهذه الصعوبة نشعر أنها في ازدياد كل يوم ، بسبب اضطراد الزيادة في عدد القضايا إذن لا مفر من التعاون الفعلي بين القضاء والمحاماة ليرضي كل ضميره .

المحاماة في نظر بعض المتقاضين :

بعض المتقاضين يرون ان المحامي صاحب رسالة مقدسة رسالته إحقاق الحق ودمغ الباطل ، هو حامي الضعفاء نصير المظلومين داحض كيد الماكرين ، فالمحامي حامل شعلة النور ليبدد ظلام الظلم وينير درب القاضي ليحكم بالحق .
والبعض الآخر يعتقد بأن المحامي هو انسان ثرثار ، لا يتكلم إلا عندما يقبض ، وبقدر ما يقبض يتكلم ، يدافع عن الظالم أو المظلوم لا يهم , المهم أنه يقبض ، لأنه انسان جشع يحاول اطالة امد التقاضي لكي يقبض اكثر ، ومتى ما وجد قاضي عادل فانه لا حاجة للمحامي اصلا ، وانه اذا كان في كل خصومة محاميان محامي عن المدعي ومحامي عن المدعى عليه ، فانه لابد وان يكون احدهما غير صادق ويدافع عن الباطل ، وعليه يكون نصف المحامين يدافعون عن الباطل ، ،واذا اخذنا العكس بان المحامي الذي وقف يدافع عن الحق سوف يقبل قضية اخرى ليدافع عن الباطل وبالتالي يكون كل المحامين يدافعون عن الباطل ، لذلك مهنة المحاماة حرام في حرام ، ويجب منعها حيث انهم يلبسون الحق بالباطل ويربكون عمل القضاء .
والحقيقة وسط بين الرأيين ، وان كان سمة بعض المحامين الجشع ، فان هذا لا يؤثر على المهنة ذاتها فالرسالة شريفة والمهنة نبيلة وهي ضرورية ، ولا يضيرها من يسيئون اليها ، لان في كل مهنة بعض الاشخاص الذين يسيئون لها دون ان يؤثر ذلك على المهنة وأهميتها ، وانه يجب ان يعلم الكافة بان المحامي يمثل وجهة نظر موكله ويدافع عنها ويقويها بالأدلة القانونية ، وهو بذلك يمثل كفة واحدة من كفتي الميزان ، اما وزن كفتي الميزان والترجيح فهي مهمة القاضي ، وبهذا العمل تصنع العدالة .
وليعلم الكافة أيضا بان القاضي قبل ان يكون قاضيا كان وكيل نيابة ، ووكيل النيابة في القضايا الجنائية يمثل كفة واحدة من كفتي الميزان , اذ انه يقوم بالتحقيق مع المتهم وجمع الادلة التي تدينه وتقديمه للمحاكمة ، ثم يتولى المحامي الكفة الاخرى للميزان حيث يفند هذه الادلة ويبطلها ، حتى يأتي دور القاضي ليرجح كفتي الميزان ويصدر حكمه بالبراءة أو الإدانة ، يضاف الى ذلك ان هناك كثير من القضاة يتركون القضاء ويعملون في المحاماة ، فيتركون مهمة وزن كفتي الميزان وينتقلون الى تمثيل كفة واحدة فقط ، دون ان ينقص ذلك من مهنة القضاء او المحاماة بشيء ، لذلك فان مهنة المحاماة تقوم على بذل الجهد والعناية القانونية لتقوية حجة الموكل وليس تحقيق نتيجة بكسب الحكم .

أروع ما قيل في مهنة المحاماة :

قال المفكر الفرنسي فولتير عن المحاماة :
كنت أتمنى أن أكون محاميًا، لأن المحاماة أجمل مهنة في العالم .. فالمحامي يلجأ إليه الأغنياء والفقراء على السواء، ومن عملائه الأمراء والعظماء، يضحى بوقته وصحته وحتى بحياته في الدفاع عن متهم بريء أو ضعيف مهضوم الحق.
وقال الأستاذ المحامي الفرنسي روس :
المحامي الآن هو أقل الناس كلامًا , والمحامون هم وحدهم الذين يحسنون السكوت لأن إحسان السكوت ليس إلا نتيجة حتمية لإحسان الكلام .
أما دوجيسو رئيس مجلس القضاء الأعلى بفرنسا قال :
المحاماة عريقة كالقضاء .. مجيدة كالفضيلة .. ضرورية كالعدالة .. هي المهنة التي يندمج فيها السعي إلى الثروة مع أداء الواجب .. حيث الجدارة والجاه لا ينفصلان .. المحامي يكرس حياته لخدمة الجمهور دون أن يكون عبدًا له .. ومهنة المحاماة تجعل المرء نبيلاً بغير ولادة .. غنيًا بلا مال .. رفيعًا من غير حاجة إلى لقب .. سعيدًا بغير ثروة .
وقال المستشار عبد العزيز فهمي رئيس محكمة النقض المصرية عند افتتاح أولى جلساتها سنة 1931 :
إذا وازنت بين عمل القاضي وعمل المحامي .. لوجدت أن عمل المحامي أدق وأخطر .. لأن مهمة القاضي هي الوزن والترجيح .. أما مهمة المحامي فهي الخلق والإبداع والتكوين .

المحامين .. أصحاب الرداء الاسود

يتساءل الكثير من الناس لماذا يرتدي المحامين الرداء الأسود عند المرافعة ؟! وما تأثير هذا الثوب على العدالة ؟!
للرداء الأسود قصة معبرة حصلت أحداثها في فرنسا عام 1791 تقريبا حيث كان احد القضاة الفرنسيون جالسا في شرفة منزله يستنشق الهواء ، وبالصدفة شاهد مشاجرة بين شخصان انتهت بمقتل احدهما وهرب المجرم القاتل .
فأسرع احد المارة إلى مكان الجريمة واخذ القتيل وذهب به إلى المستشفى لإسعافه ، إلا انه كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة ومات ، فاتهمت الشرطة الشخص المنقذ ، بالرغم من انه بريئا من هذه التهمه .
وللأسف فقد كان القاضي الجالس بالشرفة وشاهد الجريمة على حقيقتها هو الذي سيحكم في القضية .
وحيث ان القانون الفرنسي لا يعترف إلا بالدلائل والقرائن ، فقد حكم القاضي على الشخص البريء بالإعدام . على الرغم ان القاضي نفسه هو شاهد على الجريمة التي وقعت أمام منزله .
وبمرور الأيام ظل القاضي يؤنب نفسه المعذبة بهذا الخطأ الفادح ولكي يرتاح من عذاب الضمير ، اعترف أمام الرأي العام بانه اخطأ في هذه القضية وحكم على شخص بريء بالإعدام . فثار الرأي العام ضده واتهمه بأنه ليس عنده أمانه ولا ضمير .

وذات يوم أثناء النظر في احد القضايا وكان هذا القاضي هو نفسه رئيس المحكمة فوجد المحامي الذي وقف أمامه لكي يترافع في القضية مرتديا روب اسود .

فسأله القاضي : لماذا ترتدي هذا الروب الأسود ؟
فقال له المحامي : لكي أذكرك بما فعلته من قبل وحكمت ظلما على شخص برئ بالإعدام .
ومنذ تلك الواقعة أصبح الروب الأسود هو الزي الرسمي في مهنة المحاماة ومن فرنسا انتقل إلى سائر الدول .
لذلك ينص قانون مهنة المحاماة في الكويت على ( لبس الرداء الأسود ) .